الرئيسية / الموسوعة النفسية / مشاكل الاسرة والمجتمع / العنف والمشقة الاستهداف للعنف والتعرض لأحداث الحياة المشقة

العنف والمشقة الاستهداف للعنف والتعرض لأحداث الحياة المشقة

أولا : مفهوم المشقة

اشتقت كلمة مشقة “Stress”   من الكلمة  اللاتينية “Strictus”  وتعني  ضيق  “Narrow”   أو محكم “Tight  والفعل من هذه الكلمة Stringere أي يضيق وتعكس هذه الكلمات الأصلية مشاعر داخلية بالضغط  أو الأحكام Tightness الذي يقع  على جزء أو أجزاء  الجسد 0 ولكن  الكلمة  استخدمت  في القرن السابع عشر لتشير الى معان متعددة ، مثل الصعوبة ، والصرامة ، والشدة  والإصابة ، وتطور الى معان مثل القوة ،والضغط ، والشد أو الجهد الشديد ، وكانت  هذه المعاني تستخدم لوصف حالة شخص أو حالة عضو من أعضاء جسده أو قواه العقلية (Hinkle,1973)  ، كما كانت تستخدم في المجال الهندسي لوصف الجد (أو القوة) الذي يقع على  منطقة معينة ، مقاسا  بتوزيعه على المنطقة التي  يقع عليها ، كأن نقول  ان الجهد الذي يقع على هذه المفهوم يستخدم مصاحبا لمفهوم آخر هو ” الشد” وهو مفهوم يشير الى تأثير القوة أو الجهد الواقع على موضوع  معين بما في ذلك أضعاف الموضوع أو تغيير  شكله 

(Paterson & Neufeld ,1989:10)

 ولقد ظهر اهتمام في بداية القرن العشرين بدراسة العلاقة بين المشقة وسوء الحالة الصحية ، أو ظهور أعراض لامراض بعينها 0 ولقد تدعم هذا الاعتقاد من  خلال الملاحظات التي قدمها سير وليم أوسلر Sir William Osler” حول العلاقة  بين المشقة وظهور أعراض  الذبحة الصدرية لدى ضحايا العنف 0 فقد لاحظ أنهم يعيشون  حياة مضغوطة ، ومنخرطون انخراصا شديد في العمل  ، ويستمتعون بلذات الحياة ، وينغمسون في الحياة الأسرية بشكل انفعالي ، ومن ثم فان طاقتهم تستنفذ الى أقصي درجة ، كما أن نظام حياتهم يخضع خضوعا تاما للتوتر والمشقة التي تصبح عاملا رئيسيا في ارتفاع المصابين بالذبحة الصدرية بينهم   0(Osler, 1910)

وكان هانز سيلي (     (Hans Selye)     أول من حاول ان يفسر العلاقة بين المشقة وظهور الأعراض المرضية العضوية وكان ذلك عام 1946  ولقد صاغ تصوره في نظرية عرفت بنظرية ” زملة أعراض التكيف العام ” والتي ميز فيها بين ثلاث مراحل يمر بها الفرد في مواقف المشقة وهي  Selye,1946  نقلا عن     Cooper, 1981:6-7 )  

(1)استجابة الآنذاز

وفيها يتعرض الفرد لصدمة يقاومها بصعوبة تتبعها صدمات أخرى تحفز ميكانزمات الدفاع لديه 

(2) المقاومة

وهي المرحلة التي يصل فيها الفرد  الى ذروة التكيف ويستعيد توازنه  وقد يحدث في هذه المرحلة أن تعاود المشقات ظهورها أو تزداد شدتها ، أو يقل الدفاع ضدها ، حينئذ يدخل الفرد في المرحلة الثالثة 

(3)الإعياء

وفيها تنهار الميكانزمات التكيفية0 ويفقد الجسم قدرته  على المقاومة ، وتبدأ الأعراض الثانوية للمشقة في الظهور في  شكل اضطرابات جسمية ونفسية 

 ولقد أدي هذا الفهم لعملية حدوث المشقة الى تأكيد نموذج المؤثر  الاستجابة في تعريف المشقة ،  وهو نموذج يفترض وجود شكل من الضغط الخارجي ( قد يكون شكلا من القسر أو الضغوط  التي لا يمكن تحملها) تعمل بمثابة مؤشرات مثيرة للمشقة ويستجيب الفرد لهذه المؤثرات بالمقاومة (التي تتشكل في ميكانيزمات دفاعية في الغالب)  ، وتؤدي المقاومة أما الى استعادة التوازن أو الى فشل ينتهي بالمرض 

ولقد ظل  نموذج  المؤثر والاستجابة سائدا في الستينيات وتدعم من خلال إسهامات كابلان Caplan وكوفر Cofer وأبلى Appley ، فقد اكد كابلان في كتابه عن مبادئ الطب النفسي الوقائي عام 1964  على أن الفرد يستجيب للمواقف الخارجية بميكانزمات دفاعية متعلمة تحركها  مبادئ  الاتزان وتغذيها أشكال من الطاقة يمكن أن تستنفذ وتظهر  المشكلات  النفسية والجسدية عندما تعجز الموارد الجسمانية عن سد المتطلبات الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية ن وبناء على ذلك فقد شاع تعريف المشقة في ضوء قدرة الجسم على تحمل مصادر المشقة التي تأتيه  من الخارج  أو من المواقف التي يتفاعل فيها 0 فالعملية التفاعلية هي المولدة للمشقة في الأساس 0 ومن أهم التعريف وآخرون في دراستهم عن القلق والمشقة عام 1955 0 والذي  أكدوا فيه ان المشقة لا تفرض على الكائن الحي ولكنها صورة من صور استجابته  للعمليات الخارجية  والداخلية التي تتراكم داخله  حتى تصل الى مستويات معينة ، بحيث تشكل ضغطا  لا يمكن تحمله على القدرات  الفيزيقية النفسية 

  وتلا ذلك مزيد من الإسهامات  التي تطورت  من خلال هذا الفهم التفاعلي  لسياق  علمية المشقة  ، والالتفاف الى الحلقة التفاعلية التي تبدأ معها ، أو بمعني آخر نقطة  الاستجابة  الفردية التي تبدأ معها المشقة   وقد طور  الباحثون  مفاهيم  عديدة لوصف هذه الحلقة منها مفهوم أدارك الخطر الذي طوره أبلى عام 1962 ، ومفهوم الحكم الشعوري الذي طوره أرنولد Arnold عام 1960 ومفهوم التقويم المعرفي الذي طوره لازاروس Lazarus عام 1966 وجميع  هذه المفاهيم تشير الى الطريقة التي يتلقي بها الفرد المؤثرات الخارجية عند نقطة معينة قد تبدأ بعدها المشقة ، فهي تبدأ عندما  يدرك الفرد خطر المؤثرات الخارجية ، أو عندما يبدأ في إصدار أحكام بشأنها أو تقويمها تقويما  معرفيا  ان هذه العملية التقويمية هي التي تبدأ عندها الحركة نحو التخفيف من مصادر المشقة أو  التكيف معها بشكل أفضل أو الدخول الى دائرة المشقة  ومع ظهور كتاب ” المشقة النفسية ” ،والذي يجمع عناصر متكاملة لدراسة المشقة تضم بناء الشخصية والعوامل  الديموجرافي ، والبناء الجسمي  ، والخبرة الماضية، والدافعية 0 ويكشف  هذا البر وفيل  عن القابلية للمعاناة من المشقة إذا جمعت بيانات  حول مكوناته الأساسية  فالفرد الذي يمتلك درجات متوسطة من هذه العناصر يمكن ان يكون أقل عرضة للمشقة من نظيره الذي يمتلك  درجات قليلة منها 0 فالفرد الأكثر تكيفا والأكثر تكاملا والأكثر نضجا أكثر قدرة على تحمل المشقة  عن نظيره الذي لا يمتلك  هذه السمات  (Appley&Trumbul,1967)وعلى نفس المنوال ذهب لازاروس (Lazarus) الى أن الفهم التفاعلي للمشقة يجب أن يتحدد في ضوء طبيعة العلاقة بين المؤثرات الخارجية وتفاعل الشخص معها ، وهنا تصبح المشقة مرتبطة بعدد كبير من المشكلات  التي تميزها كحقل دراسي ، فهي ترتبط بأي مطالب  خارجية ترهق النسق ، سواء كان نسقا فيزيولوجيا (بناء الجسد) أو نسقا سيكولوجيا (البناء النفسي) أو نسقا اجتماعيا (بناء  المجتمع )(Lazarus, 1971) 

     ولعل أهم تطور يمكن رصده هنا أن علاقة المؤثر والاستجابة لم تعد علاقة أحادية ، بل أصبحت علاقة مركبة ، فالمؤثرات متعددة والاستجابات متعددة ، بل أن أنواعا معينة من المؤثرات يمكن أن يصاحبها أنواع معينة من الاستجابات 

(Lacey, 1967)

     واقترح لازاروس (Lazarus , 1966) أربع نتائج لعملية التقويم التي تتلو حدوث الضواغط من البيئة الخارجية ، وهي تتدرج وفقا لحدة الضواغط وعمق تأثيرها على الفرد ، هذه النتائج هي :

  • الناتج الحيادي: ويظهر حينما لا يكون للموقف جدوى أو أهمية بالنسبة للفرد ، فليس هناك أي تأثير حدث للفرد أو لأشخاص ( أو موضوعات) يرتبط بهم ارتباطا عاطفيا ، فالموقف هنا لا يثير انتباه الفرد ومن ثم فان استجابته التقويمية نحوه  تكون حيادية 
  • ظهور التهديد : وتحدث هذه النتيجة عندما تظهر حادثة تثير الانتباه ، ولا يمكن للفرد أن يتحكم فيها أو يحولها نحو وجهة معينة والاستجابة العاطفية المحتملة في مثل هذا الموقف هي الخوف
  • تقويم الأذى أو الخسارة : ويظهر هذا الناتج عندما تكون المؤثرات الخارجية قد أحدثت نتائج فعلية في الفرد في شكل آذى أو خسارة 
  • تقويم التحدي : ويحدث عندما يفرض الموقف على الفرد احتمال ان يتغلب عليه بالتحدي أو يقع فريسة له  وقد يسعي الأفراد الى هذه المواقف بأنفسهم كالألعاب الرياضية أو مشاهدة أفلام عنف  وتؤدي مثل هذه المواقف وظائف هامة فيما يتعلق بتأكيد الذات أو الاحترام  الاجتماعي  والقدرة لى المثابرة في المستقبل 

     ومن الواضح أن هذه النواتج المرتبطة بعملية التقويم ، تتدرج من الحياد التام تجاه الموقف المثير  للمشقة ( في الناتج الأولي) الى توقع حدوث التهديد 0كما في الناتج الثاني ) الى حدوث الأذى والخسارة بالفعل (كما في الناتج الثالث ) الى إمكانية جني فائدة من موقف المشقة ( كما في الناتج الأخير90

     ولقد أدت  الإسهامات التي قدمها لازاروس وآخرون الى فهم أكثر شمولا للمشقة يختلف عن الفهم القائم على فكرة الاتزان الذي يفترض  حدا معينا من الاستثارة يمكن أن تظهر بعدها المشقة ، فالمشقة هنا لا تظهر عند حد معين ، ولكن الذي يظهر هو مستوى التقويم ، فهذا الحد المعين من الاستثارة يكون ناتجا لا عن تأثير المؤثرات الخارجية على الفرد فحسب  ، ولكن عن أسلوب (أو نمط) تقويمه لها ، الأمر الذي يؤدي الى أنماط مختلفة من التقويم لها ، ومن ثم  أنماط  مختلفة من السلوك  المرتبط بالمشقة0 فالفشل  في التعامل مع ضواغط معينة يمكن أن يؤدي بالفرد الى النظر الى أي ضغط بوصفه يمثل تهديدا ، فيندفع  الى تجنبه  بدلا من تحديه0 أما الشخص الذي ينجح في التعامل  مع الضواغط بشكل مستمر فانه قد ينتج سلوكا يتسم بالحيادية ( أو التقويم الحيادي) ومن ثم اللامبالاة ، أما الفرد الذي ينجح بدرجات متفاوته فان تقويمه يتسم بالتحدي ، الأمر الذي يدفعه الى مزيد من المشاركة التطوعية